السيد عباس علي الموسوي
269
شرح نهج البلاغة
استجابتهم فبادرهم بكلامه « أف لكم لقد سئمت عتابكم » مللت من كثرة تأنيبكم وذكر سقطاتكم ولم يعد بإمكاني أن أعدد أفعالكم . أرضيتم أن تبيعوا الآخرة الباقية وما فيها من النعيم والحور والخير بالدنيا الزائلة الفانية إنها صفقة خاسرة من غير راشد ورضيتم بالذل يطالكم بقعودكم وسكوتكم وعدم قيامكم بالجهاد . . وهذا استفهام استنكاري توبيخي يقصد به الحث والدفع . . ( إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة ومن الذهول في سكرة ) إذا دعاهم الإمام لحرب معاوية والخروج إليه أصيبوا بالخوف والفزع وكان حالهم كحال الذي يغشى عليه من الموت وهو الذي قرب من حال الموت وغشيته أسبابه فيذهل ويذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف وهذا تصوير لشدة كراهتهم للحرب بحيث صارت دعوتهم إليه مؤذية لهم منغصة عليهم هدؤهم وسكونهم . . ( يرتج عليكم حواري فتعمهون وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون ) بيّن حاله معهم عندما يحاورهم ويطرح عليهم القضايا ويحشرهم في أفعالهم وتصرفاتهم فيترددون ويضطربون وهذه حالة العاجز الذي يرى خطأه ولا يستطيع أن يجيب على تصرفه جوابا صحيحا مقنعا فينغلق عليه الجواب ويعجز عن الرد ويصبح حالهم كمن أصابه مس في عقله فهو يتصرف بغير شعور وبالتالي لا تكون تصرفاته محكومة بالسداد والتوفيق فهم لا يفكرون ولا عقل لهم يحكم تصرفاتهم . . ( ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ) نزع الإمام ثقته منهم حيث كانوا يعدونه ثم لا يفون دخلوا الكوفة على أمل الخروج منها لحرب عدوهم فاستطابوا الجلوس بين الأهل والعيال وامتنعوا وهكذا كانوا يخالفون ما يقولون فأنا لا أثق بكم أبدا وعلى طول الدهر وهذا لشدة ما رأى منهم من المخالفات . . ( وما أنتم بركن يمال بكم ) نفى عنهم أن يكونوا قوة يعتمد عليها في انتزاع النصر أو قوة تقهر الأعداء وينتصر بهم عليهم . . ( ولا زوافر عز يفقتر إليكم ) لستم أنصار عز لمن يحتاج إليكم لأنكم أذلاء فلا تدفعون ضيما ولا ترفعون حيفا . . ( ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر ) لاختلاف آرائهم وتشتت كلماتهم وعدم اجتماعهم على أمر واحد شبههم بالجمال التي غاب عنها المسؤولون عن حفظها ورعايتها فلغيابهم عنها إذا اجتمعت من جهة تفرقت من أخرى